قطب الدين الراوندي

101

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وربما سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا وآجلا ( 1 ) ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له . واعلم أنك انما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة . وإنك في منزل قلعة ، ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة . وإنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ، ولا يفوته طالبه ، ولا بد أنه مدركه . فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي ( 2 ) بعد الموت إليه ، حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك . وإياك أن تغتر بما ترى من اخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها ، فقد نبأك اللَّه ونعتت ( 3 ) لك نفسها وتكشفت لك ( 4 ) عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية ، يهر بعضها بعضا ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها . نعم معقلة وأخرى مهملة ، قد أضلت عقولها وركبت مجهولها ، سروح عاهة بواد وعث ، ليس لها راع يقيمها ولا مسيم يسيمها . سلكت بهم الدنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ( 5 ) وغرقوا

--> ( 1 ) في نا ، ب ، يد : أو آجلا . ( 2 ) في ب : تقضي . ( 3 ) في نا ، يد : « ونعتت هي لك » وفي ب وهامش نا : « ونعت لك » . ( 4 ) في ب : « وكشف لك » . وبهامش ب ، نا « وكشفت » . ( 5 ) في هامش ب : في حبرتها .